العيني

13

عمدة القاري

والتطيب ، وهذه تحصل بالاغتسال والادهان والترجل . قوله : ( دهينا ) ، على وزن : فعيل ، بمعنى مفعول أي : مدهونا . قوله : ( مترجلاً ) ، من الترجل ، وهو تسريح الشعر وتنظيفه ، وكذلك الترجيل ومنه أخذ المرجل وهو المشط ، وروي عن قتادة أنه قال : يستحب للصائم أن يدهن حتى يذهب عنه غبرة الصوم ، وأجازه الكوفيون والشافعي ، رضي الله تعالى عنه ، وقال : لا بأس أن يدهن الصائم شاربه ، وممن أجاز الدهن للصائم : مطرف وابن عبد الحكم وإصبغ ، ذكره ابن حبيب ، وكرهه ابن أبي ليلى . وقال أنَسٌ إنَّ لِي أبْزَنا أتَقَحَّمُ فِيه وأنَا صَائِمً مطابقته للترجمة ظاهرة لأن الدخول في الإبزَنِ فوق الاغتسال ، والإبزن ، بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وفتح الزاي وفي آخره نون : وهو الحوض . وقال ابن قرقول : مثل الحوض الصغير من فخار ، ونحوه ، وقيل : هو حجر منقور كالحوض ، وقال أبو ذر : كالقدر يسخن فيه الماء ، وهو فارسي معرب ، ولذلك لا يصرف . وفي ( المحكم ) : هو شيء يتخذ من الضفر للماء ، له جوف . وفي كتاب ( لغة المنصوري ) لابن الحشا ، ومن خطه : أبزن ، ضبطه ، بالكسر ، قال : وهو مستنقع يكون أكثر ذلك في الحمام ، وقد يكون في غيره ، ويتخذ من صفر ومن خشب . وقال صاحب ( التلويح ) : الذي قرأته على جماعة من فضلاء الأطباء ، وعد جماعة : أبزن ، بضم الهمزة . قوله : ( اتقحم فيه ) ، أي : أدخل ، ومادته : قاف وحاء مهملة وميم . قوله : ( وأنا صائم ) جملة حالية ، وهذا التعليق وصله قاسم بن ثابت في ( غريب الحديث ) له ، من طريق عيسى بن طهمان : سمعت أنس بن مالك ، رضي الله تعالى عنه ، يقول : إن لي إبزن إذا وجدت الحر تقحمت فيه وأنا صائم . ويُذْكَرُ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ اسْتَاكَ وهُوَ صَائِمٌ مطابقته للترجمة من حيث إنه يحصل به تطهير الفم ، كما ورد في الحديث : ( السواك مطهرة للفم ) كما يحصل الطهير للبدن بالاغتسال ، فمن هذه الحيثية تحصل المطابقة بين الترجمة وبين الحديث الذي ذكره بصيغة التمريض . فإن قلت : في استنان الصائم إزالة الخلوف الذي هو أطيب عند الله من ريح المسك ؟ قلت : إنما مدح النبي صلى الله عليه وسلم الخلوف نهيا للناس عن تعزز مكالمة الصائمين بسبب الخلوف ، لا نهيا للصوام عن السواك ، والله غني عن وصول الرائحة الطيبة إليه ، فعلمنا يقينا أنه لم يرد بالنهي استبقاء الرائحة ، وإنما أراد نهي الناس عن كراهتها ، وروى الترمذي : حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله ( عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم ) ، ثم قال : حديث عامر بن ربيعة حديث حسن ، وأخرجه أبو داود أيضا عن محمد بن الصباح عن شريك وعن مسدد عن يحيى عن سفيان ، كلاهما عن عاصم ، ولفظه : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم ) ، زاد في رواية : ( ما لا أعد ولا أحصي ) . قال صاحب ( الإمام ) : ومداره على عاصم بن عبيد الله ، قال البخاري : منكر الحديث ، وقال النووي في ( الخلاصة ) بعد أن حكى عن الترمذي أنه حسنه : لكن مداره على عاصم بن عبيد الله وقد ضعفه الجمهور ، فلعله اعتضد . انتهى . وقال المزي : وأحسن ما قيل فيه قول العجلي : لا بأس به ، وقول ابن عدي : هو مع ضعفه يكتب حديثه . وقال البيهقي ، بعد تخريجه : عاصم بن عبيد الله ليس بالقوي . ولما روى الترمذي حديث عامر بن ربيعة قال : وفي الباب عن عائشة رضي الله عنها قلت : حديث عائشة رواه ابن ماجة والبيهقي من رواية أبي إسماعيل المؤدب ، واسمه إبراهيم بن سليمان : عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من خير خصال الصائم السواك ) ، ومجالد بن سعيد ضعفه الجمهور ، ووثقه النسائي ، وروى له مسلم مقرونا بغيره . قلت : وفي الباب أيضا عن أنس وحبان بن المنذر وخباب بن الأرت وأبي هريرة . فحديث أنس رواه الدارقطني والبيهقي من رواية أبي إسحاق الخوارزمي ، قاضي خوارزم ، قال : سألت عاصما الأحول ، فقلت : أيستاك الصائم ؟ فقال : نعم ، فقلت : برطب السواك ويابسة ؟ قال : نعم قلت : أول النهار وآخره ؟ قال : نعم . قلت : عمن ؟ قال : عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال الدارقطني : أبو إسحاق الخوارزمي ضعيف يبلغ عن عاصم الأحول بالمناكير ، لا يحتج به . انتهى .